الصالحي الشامي
179
سبل الهدى والرشاد
الباب الثاني عشر في غزوة بني قينقاع [ وهم قوم عبد الله بن سلام ، وكانت يوم السبت للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجره صلى الله عليه وسلم ، وكانوا حلفاء عبد الله بن أبي ابن سلول وعبادة بن الصامت ، وغيرهما من قومهما ، وكانوا أشجع يهود ، وهم صاغة ، وكانت الكفار بعد الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقسام : قسم وادعهم على ألا يحاربوه ولا يوالوا عليه عدوه ، وهم طوائف اليهود الثلاثة : [ قريظة والنضير وبني قينقاع ] وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة ، وهم قريش ، وقسم تاركوه وانتظروا ما يؤول إليه أمره كطوائف من العرب ، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة ، وبالعكس كبني بكر ، ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه وهم المنافقون . ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرا وادعته يهود كلها ، وكتب بينه وبينهم كتابا ، وألحق كل قوم بحلفائهم وجعل بينه وبينهم أمانا ، وشرط عليهم شروطا : منها : ألا يظاهروا عليه عدوا ، فلما كان يوم بدر كان بنو قينقاع أول يهود نقضوا العهد ، وأظهروا البغي والحسد ، وقطعوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد ، فجمعهم بسوق بني قينقاع وقال : " يا معشر يهود أسلموا ، فوالله إنكم لتعلمون أني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة فأسلموا ، فإنكم قد عرفتم أني مرسل ، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم " قالوا : يا محمد إنك ترى أنا مثل قومك ، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب ، فأصبت منهم فرصة ، إنا والله لئن حاربتنا لتعلمن أنا نحن الناس . قال ابن عباس فيما رواه ابن إسحاق : ما أنزلت هؤلاء الآيات إلا فيهم : ( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله ) [ آل عمران 12 ، 13 ] أي أصحاب بدر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء ، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) فبينما هم على ما هم عليه من إظهار العداوة ونبذ العهد قدمت امرأة من العرب بجلب لها فباعت بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ بها لحلي ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فلم تفعل ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها من ورائها فحله بشوكة وهي لا تشعر ، فلما قامت بدت عورتها فضحكوا منها ، فصاحت ، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهوديا . وشدت اليهود على المسلم فقتلوه ، ونبذوا العهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، واستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود ، وغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع . وأنزل الله سبحانه وتعالى : ( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ) [ الأنفال 58 ] فقال صلى الله عليه وسلم : " إنما أخاف من بني قينقاع " ، فسار إليهم